التعديل الوراثي.. المسألة الكبرى
نديم نحاس
«الشرق الأوسط»
ان التحذيرات الصادرة عن هيئة من العلماء التابعين للاكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة في ما يتعلق بتعديل مورثات الحيوانات والتلاعب بها، وما تشكله من اخطار على البيئة، وعلى صحة الانسان ربما، ذهبت ادراج الرياح.
تأتي اهمية هذا الموضوع وسط الجدل القائم حاليا في اوروبا في ما يتعلق بالمنتجات الزراعية المعدلة وراثيا، وهل هي امينة التطبيق ام لا؟
لقد أثار تقرير الهيئة الاحتمالات السلبية للصناعات الحيوية وجهودها في استنساخ الحيوانات وتسخير مورثاتها في الاغراض العلاجية والخشية من تسرب بعض هذه الجينات بطريقة او بأخرى الى الحيوانات الاخرى فتغير من طبيعتها، وربما تقضي عليها تماما. ثم هناك مسألة انزال اللحوم المعدلة وراثيا الى الاسواق والمنتجات الغذائية الاخرى كالحليب والبيض التي قد تسبب اذية الناس، إن لم تجر ادارتها بعناية فائقة وحذر شديد. ويتوقع مربو الماشية الاميركيون ان تطرح هذه المنتجات العام المقبل بعد ان تتخذ وكالة الغذاء والعقاقير الاميركية قريبا قرارا بذلك.
الغريب انه مع كل هذه التحذيرات لم يدع التقرير الى رفض عمليات الاستنساخ كلية، او مسألة التعديلات الوراثية، مما اوجد نوعا من التضارب والالتباس في ما يجوز ولا يجوز، بل على العكس فقد اشار التقرير الى بعض الفوائد والحسنات من وراء هذه التقنيات الجديدة، كالحصول مثلا على اطعمة واغذية رخيصة، واكثر نفعا على الصعيد الصحي، فضلا عن الادوية والعقاقير الجديدة، واساليب العلاج المتطور.
في الواقع ان التقرير حاول التمييز بين الفوائد والاضرار، وبالتالي الخروج بحل وسط بين الاثنين، كما عدد المخاطر النظرية، واساليب تقليصها. والمعلوم ان مثل هذه التقنيات الجديدة تسير بسرعة الضوء، ولا احد يستطيع كبح جماحها. ثم انه حتى ولو حاول المشرعون وضع قيود لها، فإن ثمة بعض الهيئات والجماعات ستمضي بها غير عابئة بالعواقب الناجمة عن عدم الدقة والالتزام بالمحرمات. وهنا وجه الخطورة. فمن الاكيد ان بعض الحيوانات المستنسخة، والاخرى التي عدلت جيناتها قد وصلت الى المزارع للاستفادة من منتجاتها لاغراض طبية معينة، لكن منعت من بلوغ الاسواق كسلع غذائية تقيدا بتمنيات حكومية غير رسمية. لكن الى متى سيستمر هذا الخطر الذي من المتوقع تجاوزه في العام المقبل كما اذيع، خاصة ان الشركات التجارية العالمية التواقة دائما الى الارباح السريعة قد انتجت حيوانات معدلة تنتج عقاقير بشرية في حليبها، كما تعمل على انتاج خنازير لاستخدام قلوبها واكبادها كبديل لقلوب واكباد البشر المعطوبة. وهذا غيض من فيض، اذ ان هنالك الآلاف من الابحاث الاخرى تعمل وفقا لهذه الخطط.
ان القلق الكبير في هذا الصدد صادر عن الاسماك والحشرات المعدلة وراثيا وما قد تحمله من اخطار على البيئة. فهي قادرة على الافلات من شباكها والتحرك بسرعة الى مسافات بعيدة متناسلة مع غيرها من ابناء جلدتها، ناشرة جيناتها الجديدة على اعداد كبيرة. ومثل هذه الجينات الجديدة المتفوقة ستتغلب حكما على جينات الاسماك والحشرات الاخرى غير المعدلة دافعة اياها الى حافة الانقراض، مما قد يسبب اختلالا كبيرا في ميزان الطبيعة الذي ستترتب عليه ذيول خطيرة.
ولعل افضل حكم على هذه المسألة التي حيرت الكونغرس الاميركي قبل ان تحير العلماء هو ما ذكره البروفيسور جون فاندنبيرغ من جامعة ولاية نورث كارولينا الاميركية الذي يعتبر ثقة في هذه المسألة، عندما طلب منه ابداء رأيه حول سلبياتها وايجابياتها فأجاب: «ليس من الضرورة قطف ازهار هذه التقنيات الجديدة جميعها، بل قطف بعضها مع التماس الحذر الشديد».
No comments:
Post a Comment